أبي منصور الماتريدي
376
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فصارت الرياح مذكرات للنعم ، وفي تذكير النعم إيجاب القول بالبعث ، وبكل ما يخبرهم به الرسل ؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث ، ورأوا فيها من لطائف الحكمة وعجائب التدبير ما لا يبلغها تدبيرهم وحكمتهم ، فعلموا أن الأمر غير مقدر « 1 » بعقولهم ولا بحكمتهم ؛ فيكون في ذكر ما ذكرنا إزاحة ما اعترض له من الشك والشبه في أمر البعث ؛ فأقسم بها - جل جلاله - على ما ذكرنا أن القسم جعل لتأكيد ما يقصد إليه باليمين . فرجعنا إلى قوله : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً قيل « 2 » : هي الرياح المبشرات ؛ سميت : عرفا ؛ لأن ما تأتى به من النعم معروفة . وقيل « 3 » : العرف : المتتابع ، وسمي عرف الفرس : عرفا ؛ لتتابع بعض الشعر على بعض ؛ فجائز أن يكون منصرفا إلى الرياح المبشرة . وكذلك قوله - تعالى - : وَالنَّاشِراتِ نَشْراً جائز أن يحمل على الرياح ، لكن على الرياح المنشرات « 4 » ، وهي الرياح السهلة الخفيفة ؛ لأن النشر مذكور في رياح الرحمة بقوله : وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته في بعض القراءات . وقوله - عزّ وجل - : فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً هي الرياح الشديدة التي تكسر الأشياء وتقصمها ، وهي التي ترسل للإهلاك ؛ كقوله تعالى : فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ [ الإسراء : 69 ] . وجائز أن يكون قوله : وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً هي اسم الرياح التي لم يظهر أنها أرسلت للهلاك أو للتبشير « 5 » ؛ لأن الرياح التي ترسل للرحمة يظهر أثر رحمتها من ساعتها من إرسال السحاب ، وغير ذلك قبل أن تتتابع ، وكذلك الرياح التي هي رياح إهلاك يظهر علم الإهلاك من ساعتها ، وهو أن تكون قاصفة شديدة قبل أن تتتابع . وقوله - عزّ وجل - : فَالْفارِقاتِ فَرْقاً . يحتمل الرياح - أيضا - وأنما سميت : فارقات ؛ لأنها تفرق السحاب ؛ فيصير البعض في أفق ، والبعض في أفق أخرى . وقوله - عزّ وجل - : فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً :
--> ( 1 ) في أ : مقدور . ( 2 ) قاله ابن مسعود بنحوه أخرجه عبد بن حميد ، وابن جرير ( 35880 ، 35882 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طريق أبي العبيدين عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 492 ) ، وهو قول ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغيرهم . ( 3 ) قاله صالح بن بريدة أخرجه ابن جرير عنه ( 35894 ) . ( 4 ) في أ : المبشرات . ( 5 ) في ب : للتسيير .